الجنيد البغدادي
55
رسائل الجنيد
وأنيس من أنس بي ، وموجود لمن طلبني ، هلموا إلى مصاحبتي ، وتسارعوا إلى قربي ، وتهيئوا إلى زيارتي ، يا داود إني جعلت طيران قلوب المشتاقين نحوي ، وجعلتها في الأرض موضع نظري ، وأطلعتها بي ( أي جعلتها ناظرة إليّ ) حتى ازداد لها شوقا بي إلى لقائي ، وأريهم في كل ساعة جزيل كرامتي ولطائف صنعي ، وحسن امتناني ، حتى لا يأنسوا ولا يميلوا إلى غيري ، ولا يصبرون عني ساعة شوقا إلى لقائي ، وجعلت آمالهم متصلة بي ، وفتحت لهم أبواب أنسي ومناجاتي ، يا داود ما لعبدي والإعراض عني ، وأنا أقول إليّ إليّ ، يا داود وأنا محل الآمال ، فما لعبدي أن يقطع الآمال مني ، يا داود إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي عن غيري ، جعلت راحته ولذته في ذكري ، وكنت أنا مثالا بين عينيه حتى لا ينساني ، يا داود ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وإني إليهم لأشد شوقا ، ألا من طلبني وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، بل ولم يجد غيري ، يا داود حبيب يحب خلوة حبيبه ، يتلذذ بأنسه ، وأنا مطلع على قلوب أحبائي ، أرى تلذذهم بأنسي ، وانفرادهم بي عن غيري ، يا داود قل للمتلذذين بأنسي هل وجدتم طبيبا أكبر مني ، يا داود أنا خبير بأحبابي ، وأنا مطلع على خفقان قلوبهم ، فإذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم ، وقلوبهم عندي ، ومثلت نفسي بين أعينهم ، فلو لا أني قد ربطت أرواح أحبائي في أبدانهم لطارت شوقا إلي وسرورا بي ، يا داود احذر أن تجعل بيني وبينك عالما سكران يصدك عن ذكري ، ويدعوك مني إلى غيري ، ويقطع عليك طرق الوصلة والقرب مني وأنت لا تشعر ، يا داود أكثر الخلق قطاع طريق القلوب عن طريق الأبرار ، يا داود إن أقل ما أنا صانع بالقلب المحب للشهوات أن أسلبه حلاوة ذكري ، ولذائذ مناجاتي ، لأنه محجوب عني ، يا داود أنا حبيب القلوب ، وأنا علام الغيوب وأنا نعم المولى ونعم النصير . قال إمام الطريقتين وشيخ الفريقين أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : لو ذكرنا في كتابنا هذا من نعت الأولياء الذين ذكرهم اللّه تعالى للأنبياء والرسل لطال الباب وأمتد الخطاب ، ولكن العاقل يكتفي بدون ما بينت ، فاقتصرت على هذا المقدار واكتفيت ، وباللّه التوفيق على إجابة ندائه لنا بصدق الإرادة في القصد إليه ، وعلى ما يحب ويرضى ، فإنه ذو الفضل والمن العظيم .